استجيبوا لربكم
الحمد لله، أما بعد:
قال الله تعالى {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ} (الشورى 47).
* ما معنى الاستجابة؟ الاستجابة هي طاعة الله ورسوله، لكنها ليست طاعة مجردة، بل هي طاعة مملوءة بالحب والرضا والاستسلام.
فتأتمر بأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم على حب منك لله ورسوله، وتنتهي كذلك عما نهى الله عنه ورسوله على حب منك لله ورسوله، وهكذا الرضا والاستسلام لله ورسوله، قال تعالى [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] (النساء 65). 
* الاستجابة لله من الأعمال الواجبة على كل مسلم، أن يستجيب لربه فيما دعاه إليه من أقوال، وأفعال، وأوامر، ونواهي.
إذ أنه لا خيار لعبد أمام أحكام الله وشرائعه، سواء كانت من الله مباشرةً أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا واضح في كتاب الله تعالى.
قال تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (الأحزاب36).  
وقال {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (القصص68). 
فالله عز وجل لم يترك للعبد خياراً فيما هو من جنس الطاعة والعبادة، إنما يأمر فنأتمر وينهى فننتهي. ولكن لماذا؟
أيكون الله تعالى بذلك قد ظلمنا؟ حينما قيد حريتنا وعقولنا في طاعته، افعلوا ولا تفعلوا؟ أيكون الله تعالى قد ضيق علينا واسعاً وحجر على عقولنا؟
أبداً لم يكن الله ظالماً لأحد من خلقه فهو الذي قال [وما ربك بظلام للعبيد] وهو الذي قال [وما الله يريد ظلماً للعالمين] وهو الذي قال [إن الله لا يظلم مثقال ذرة] وهو الذي قال في الحديث القدسي
[يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما].
إذن لماذا لم يجعل الله لنا خياراً في ديننا؟
إن الله عز وجل خلق الخلق وهو أعلم بعقولهم وغرائزهم، وهو أعلم بما يصلحهم ويفسدهم، وهو أعلم بما ينفعهم ويضرهم، ولقد علم الله أن عقولِ بني آدم قاصرةٌ لا تدرك إلا ما تراه وتعلمه، ولا تدرك ما يغيب عنها، فوضع لتلك العقول القاصرة منهجاً يستوي فيه الجميع، يصلح به فسادهم، ويقوم به اعوجاجهم، ويخرجهم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهداية، وهذا المنهج القويم لا يخرج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل ثواباً لمن استجاب واطاع، وعقاباً لمن تكبر وعصى.
عاتب الله تعالى داود عليه السلام حينما حكم بين الخصمين بعقله فقال له [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ] (ص 26).
وقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم [فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] (القصص 50).
وقال تعالى [قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ] (سبأ 50).        
* ومن الاستجابة لله تعالى، الاستجابةُ لرسوله صلى الله عليه وسلم لأنه هو المبلغ عن ربه إلينا، وقد جعل الله طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، فقال {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}(النساء 80). وقال {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ}(آل عمران32). فقرن الله تعالى في هذه الآية طاعةَ الرسول صلى الله عليه وسلم بطاعته سبحانه، فلا فرق بين القرآن والسنة من حيث الأحكام والتشريعات، والأوامر والنواهي.
فمن فرق بين القرآن والسنة، أو فرق بين طاعةِ الله وطاعةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد هدم الدين وأضل الناس أجمعين.
قال صلى الله عليه وسلم {تركتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَفْتَرِقَا
حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ} (صحيح الجامع 2936).
فلا سبيل إلى فهم القرآن، وتفصيلِ مجملهِ إلا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فكيف نصلى ولم يكن في القرآن إلا أقيموا الصلاة؟ وكيف نزكي ولم يكن في القرآن إلا وآتوا الزكاة؟، وكيف نحج ونعتمر ولم يكن في القرآن إلا وأتموا الحج والعمرة لله؟ وكيف نُحَرِمُ زواجَ المرأةِ على خالتها وعلى عمتها ولم يكن في القرآن ما يحرمه، وكيف نثبت للجدة ميراثا إن وجدت عند وفاة حفيدها ولم يكن ذلك في القرآن، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالسنة، وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك التفريق فقال صلى الله عليه وسلم {لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ}[ الترمذي 2663. لَا أُلْفِيَنَّ أَيْ لَا أَجِدَنَّ]. وقد حدث ما حذر منه صلى الله عليه وسلم من بعده في زماننا هذا تقول للرجل إذا فعل محرماً، هذا حرام وتذكر له الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك أتني بآية من القرآن تقول أن هذا حرام. إنا لله وإنا لله إليه راجعون.
الخطبة الثانية، الحمد لله وبعد:
* كيف تكون الاستجابة لله ولرسوله؟
تكون الاستجابة على الوجه الأكمل لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم: بامتثال واتباع وتنفيذ أوامر الله، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم [بقدر المستطاع] من غير مناقشة، ولا مراجعة، طالما ثبت ذلك بالأدلة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء عما نهى الله عنه وعما نهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من غير مناقشة، ولا مراجعة، ولا استحسان.
قال تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] (الحشر7).
* فالاستجابة الحقيقية بتنفيذ الأوامر ولو كانت مكرهة للنفس، فالجنة محفوفة بالمكاره. والانتهاء عن النواهي ولو كانت محببة إلى النفس، فالنار محفوفة بالشهوات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ] (مسلم 2822).
وهذا عين ما فعله أكرم الخلق على الله بعد الرسل والأنبياء رضي الله عنهم جميعاً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَنَسٍ t قال {كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ
يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلاَ إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ
لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ} (البخاري2464).
وهذا عَبْدُ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ t أيقول {رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: لَا وَاللهِ، لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم] (مسلم 9020).
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t {أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا} (م أحمد11152).
*هذه هي الاستجابة الحقيقية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى في مجرد فعله صلى الله عليه وسلم من غير أمر أو نهي.
فأين الاستجابة لأمر الله ورسوله فينا معشر المسلمين، ترى الرجل يقوم على معصية الله فتذكره بالحلال والحرام وكأنك تداعبه، ترى المرأة تفعل حراما وترتدي لباساً يخالف شرع الله وتذكرها بالحلال والحرام فتنظر إليك وكأنك اعتديت عليها ولا عبرة بما تقول، ترى المجتمع يعيب على من ذكَّر الناس بالحلال والحرام، ترى المجتمع يستنكر على من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ترى المجتمع ينظر إلى شرع الله وأوامره ونواهيه على أنها سطور سُطِّرت فقط للتلاوة في المصاحف، فأي أمة نحن؟ وأي رخاءٍ ننتظر من الله بعد ذلك؟ أي سلامٍ تريدون؟ أي عدلٍ تنتظرونه ممن يتولون أموركم؟ فاللهم سلم سلم.   
* الاستجابة لله ولرسوله منهج حياة: فمن استجاب لربه في أوامره ونواهيه، واستجاب لرسوله صلى الله عليه وسلم في أوامره ونواهيه، فقد حقق لنفسه الحياة الحقيقية الأبدية، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}(الأنفال24).
فالحياة الحقيقية هي التي ثمنها الطاعة المطلقة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الحياة ليست في الدنيا، إنما الحياة الحقيقية في الأخرة عند الله تعالى، كما قال U [وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت64).
* الاستجابة لله ولرسوله طوق نجاة: فكما أن الاستجابة لله ولرسوله منهج حياة، فهي أيضاً طوق نجاة، ينجوا بها في الأخرة الذين كانوا من أهلها في الدنيا، استجابوا، واستسلموا لشرع الله وأحكامه، وخضعوا لأمره، وخشعوا لعظمته، فزادهم الله من فضله، هداية وتوفيقاً وإيماناً.
قال الله U [وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} (الشورى26). وأما من تركوا إجابة ربهم أعد لهم العذاب الشديد، وقال U  [لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} (الرعد 18).
فلا مخرج للأمة مما هي فيه، أفراد وجماعات، أسر ومجتمعات، لا مخرج إلا بالاستجابة والطاعة، واتباع شرع الله وأحكامه، وإلا فمصيرنا الخوف والهم والحزن والشقاء والضلال في الدنيا، والعذاب في الأخرة. قال الله تعالى {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة38).
وقال تعالى {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} (طه123).
وهذا ما أعلم والله أعلى وأعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ