بسم الله الرحمن الرحيم
شرح الموطأ - الدرس الثاني

________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم

[قراءة المتن]:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال - رحمه الله تعالى-:
(9) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : " فأَنَا أُخْبِرُكَ : صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ، وَصَلِّ الْعَصْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَإِنْ نِمْتَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ فَلا نَامَتْ عَيْنُكَ، وَصَلِّ الصُّبْحَ بغَلَسَ "
[الشرح]:
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
وهذا قد تقدم في مواقيت الصلاة في أحاديث تقدم في كتابة عمر إلى عماله وفي الأحاديث السابقة أحاديث أوقات الصلاة.
وكما قال أبو هريرة لما سأله مولى أم سلمة عن أوقات الصلاة: ((فأَنَا أُخْبِرُكَ : صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ)):، وهذا إذا كان ظلك مثلك وهذا أول وقت الظهر.
((وَصَلِّ الْعَصْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ)): بمعنى ذكر آخر أوقات الصلوات يعني صلي الظهر إلى أن يكون ظلك مثلك وصلي العصر إلى أن يكون ظلك مثليك وأما المغرب فلم يذكر له إلا وقتا واحدا وهو عند الغروب.
((وَالْعِشَاءَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَإِنْ نِمْتَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ فَلا نَامَتْ عَيْنُكَ، وَصَلِّ الصُّبْحَ بغَلَسَ)): يعني مبكرا بالصبح، وهذا مثل ما تقدم في شرح أوقات الصلوات وأن الفجر، الأصل في الأوقات كلها التبكير وخاصة الصبح فإن يصلى بغلس بمعنى الغلس اختلاط الظلمة ببداية الفجر والنجوم ظاهرة مشتبكة كما تقدم في كتاب عمر لعماله. والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الستين للمائة ويخرج من الصلاة وهم بغلس بمعنى ظلمة اختلاط الظلمة بنور الصباح ولم يكونوا يسفرون.
وأما الحديث المشهور: " أسفروا بالفجر " فإن معناه كما ذكر الشافعي في الرسالة وذكر الإمام أحمد، معناه إن صح الحديث: تأكدوا من طلوعه فقط، لا يحملكم المبادرة والرغبة في التعجيل على أن تصلوه قبل وقته، بمعنى أسفروا به: يعني تأكدوا من طلوعه.

[قراءة المتن]:
(10) أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ : " كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ "
[الشرح]:
يدل على أنهم كانوا يبكرون أيضا بالعصر يصلي أحدهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العصر في مسجده ثم يذهب على قدميه إلى قباء، ويأتيهم والشمس بيضاء مرتفعة لم تصفر بعد فدل على أنهم يبكرون بالعصر ويبكرون بالصلوات كلها إلا الظهر عند شدة الحر كما سيأتينا - إن شاء الله - والعشاء إذا لم يشق على الناس فالأفضل فيه التأخير وما سوى ذلك فإن الأصل في الصلوات كلها التبكير في أول الوقت.
[قراءة المتن]:
أخبرنا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ قَالَ : " مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ بِعَشِيٍّ " .
[الشرح]:
هذا إذا كان في شدة الحر لأن المدينة بالذات يشتد فيها الحر، حر المدينة شديد للغاية، كل ذلك إذا اشتد الحر كما سيأتي تؤخر الظهر حتى يبرد الجو، ومعنى العشي عند العرب: يبدأ من الزوال، من الزوال يسمونه عشي إلى الغروب كل هذا النصف الثاني من النهار كله عشي، لكن مراد القاسم بن محمد بن أبي بكر أنهم يتأخرون قليلا في الظهر.

[قراءة المتن]:
باب ما جاء في وَقْتِ الْجُمُعَةِ
(11) أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ : " كُنْتُ أَرَى طِنْفِسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تُطْرَحُ إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ، فَإِذَا غَشِيَ الطِّنْفِسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ، خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ "، قَالَ مَالِكٌ : وَالِدُ أَبِي سُهَيْلٍ، ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَنقِيلُ قَائِلَةَ الضُّحَى.
[الشرح]:
هذا أدرك الصحابة وهو صحابي مالك يحدث عن عمه أبي ((سهيل بن مالك)): الذي هو جد مالك الذي مالك يسمى عليه وهو من الصحابة وأدرك أيضا فكان يقول: كنت أرى وأنا في المسجد النبوي الجدار الغربي الذي هو الآن جهة باب السلام الناحية الغربية المقابلة للبقيع، فالجدار الغربي من الداخل توجد ((طنفسة)): يعني بساط صغير يوضع لعقيل بن أبي طالب تطرح إلى الجدار من الداخل. فإذا كانت من الداخل الشمس تذهب إلى المغيب والظل يتقدم فيقول: فقط إذا كان الظل على الطنفسة هذه على البساط هذا خرج عمر لصلاة الجمعة.
معناه أن عمر - رضي الله عنه - الطنفسة بساط صغير لم يكون بساط كبير يعني على قدر رجل واحد، فمعناه أن عمر - رضي الله عنه - يبكر بالجمعة بمعنى أن ظل الزوال ما أن يستغرق الطنفسة يعني ربما لو قدرنا بحجم هذه الطاولة ما أن يستغرقها ظل الزوال فقط حتى يخرج عمر أو أقل من هذا، وهذا هو الذي كانوا عليه - رضي الله عنهم - كلهم، النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يبكرون بالجمعة في أول الوقت حتى جاء بالأحاديث الأخرى أنهم يخرجون وليس للجدران ظل يستظلون به إلا ظل الزوال يمشون في فيء الظل لأجل حرارة الشمس.
ولذلك لم يكن عمر - رضي الله عنه - يقيل القائلة التي كل يوم تكون قبل الظهر، القائلة عند العرب ليس هي التي بعد الظهر وإنما القائلة عندهم هي التي قبل الظهر ولذلك قال: " أقل فإن الشياطين لا تقيل "، بمعنى أن هذا الوقت التي تسجر فيه جهنم الذي يكون وقت النهي قبل الظهر كانوا ينامون فيه نومة تنفعهم تغنيهم إلى نهاية اليوم ولا تسهرهم في الليل بخلاف نومة الظهر التي قبل العصر أو نومة العصر فإن هذه تستهلك وقت وأيضا تسهر في آخر الليل وتحمل على السهر، أما النومة هذه التي قبل الظهر هي أنفع ما تكون ولذلك كانوا لا يتركون هذه النومة والناس إلى عهد قريب كانوا ما يتركونها. إلا أن عمر يوم الجمعة كان هذه النومة يجعلها بعد الجمعة لأجل الاستعداد للصلاة والاغتسال والخوف أن ينام عن الصلاة.
واتفق العلماء - رحمهم الله - على أن آخر وقت الجمعة هو وقت الظهر، وأول وقتها وقت الظهر أيضا المختار.
لكن الإمام أحمد - رحمه الله - انفرد بأنه يجوز في الجمعة أن تصلى في وقت العيد وهذا من مفردات الإمام أحمد بمعنى يجوز أن تصلى الجمعة بعد ارتفاع الشمس.
والإمام أحمد - رحمه الله - أفتى بذلك لأن أمام تسعة من الصحابة كلهم أفتوا بهذا وهو يمشي على الآثار وهو أجمعهم للآثار - رحمه الله -، فقال: " عندي تسعة من الصحابة كلهم مع حديث عبد الله بن سيدان كلهم رخصوا في أن تصلى الجمعة في وقت العيد " يعني في أول النهار خاصة عند الحاجة.
وهذا يستفاد منه أن أحيانا خاصة قبل المكيفات أحيانا يشتد الحر على الناس إذا انتظروا وقت الظهر ويضيق المسجد ويكون عليهم شدة، ولذلك ابن مسعود في العراق لأن العراق أيضا فيه شدة حر كان أحيانا إذا اشتد عليهم الحر بكر بالجمعة حتى قبل وقت الظهر حتى يرجعون إلى بيوتهم.
وكذلك عبد الله بن الزبير في مكة وافقت الجمعة يوم عيد فقدم الجمعة في وقت العيد، صلاها جمعة ولم يصلي عيد صلاها جمعة ودخل الأصغر في الأكبر، دخل العيد في الجمعة لأن الجمعة هي الفريضة فدخلت فصلاها في وقت العيد وخطب خطبة جمعة وصلى صلاة جمعة، ثم رأى أن ذلك مغنيه عنه إلى العصر لأنه صلاها جمعا ولم يصليها عيدا، وسئل عنه ابن عباس فقال: " أصاب السنة ".
فبعض الناس اليوم يفهم إن إذا صلى العيد يوم إذا وافقت الجمعة صلى العيد سقط عنه الظهر والجمعة وهذا خطأ فاحش فإن الذي يسقط عنه الظهر الذي صلاها بنية أنها جمعة إذا جمع الإمام، وليس إذا صلاها عيد، فإن بعض الناس اليوم يقول إذا صليت العيد وافق العيد جمعة وصليت العيد في أول النهار لا تصلي إلا العصر ولا يصلون لا جمعة ولا ظهر، وهذا خطأ ويحتجون بفعل ابن الزبير، فابن الزبير إنما صلى الجمعة، بكر بها وأدخل العيد فيها يعني سقط في العيد لأن العادة في الشريعة المتبعة أن الأصغر يدخل في الأكبر إذا تداخلا.
فعلى كل حال أحمد عنده تسعة من الآثار على أنه يجوز عند الحاجة رخصة أن تصلى الجمعة في وقت العيد، تصلى الساعة الثامنة الساعة التاسعة العاشرة اليوم بمواقيتنا هذه، الساعة الحادية عشرة.
وقد أخبرني بعض الناس من كبار السنة أن الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - كان أحيانا ربما في الرياض قديما ربما كان ربما صلاها بالضحى، صلى الجمعة بالضحى لأن هذا مشهور مذهب الإمام احمد.
ولكن إذا أتى أحد وقد فاتته الجمعة ما يستطيع يصلي لا جمعة ولا ظهر لأن الظهر لم يدخل وقته بل ينتظر حتى يدخل وقت الظهر، بمعنى أنه لو فرضنا أنهم صلوا الساعة التاسعة اليوم وفي واحد فاتته الجمعة ما يصلي هناك لا جمعة ولا ظهر ينتظر حتى يدخل وقت الظهر ثم يصلي ظهرا، لأن هذه قُدمت لأنها جمعة، وأما آخر وقت الجمعة فهذا متفق عليه أنه وقت الظهر ما فيه خلاف بين العلماء، إنما الذي انفرد به الإمام أحمد أول الوقت وهو يقول المختار وقت الظهر لكن يجوز رخصة أن يقدم إلى وقت العيد إذا احتاجوا إلى ذلك مثل شدة حر مثل لو كان طفئت الكهرباء الآن وافق مثلا يوم جمعة وسار فيه عطل في الكهرباء فيكون على الناس ظمأ شديد في الحر أن يستمع الساعة الثانية عشر فلو أن الإمام لكن هذا يكون باستئذان من له الأمر حتى لا يضطرب الناس، لو أن ولي الأمر أمر الناس بذلك اليوم أن يصلوا الساعة الثامنة قبل أن يشتد الحر، الساعة التاسعة الساعة السابعة لا بأس بهذا - إن شاء الله -.
وأيضا الأصل في الجمعة أن تبكر والأصل في الجمعة ألا تطال لا تطول الخطبة والصلاة ولذلك كانوا يخرجون من الصلاة والحيطان ليس لها فيء.


[قراءة المتن]:
(12) أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَلِيطٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، " صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِمَلَلٍ "، قَالَ مَالِك : " وَذَلِكَ لِلتَّهْجِيرِ وَسُرْعَةِ السَّيْرِ "
[الشرح]:
إذا صلى الجمعة في المدينة وأدركه العصر في ((ملل)): وملل موضع بين مكة والمدينة في طريق الهجرة الآن، معناها كما قال مالك" التهجير والتبكير، ((التهجير)): معناه التبكير، يعني بالهاجرة كما قال - صلى الله عليه وسلم -: " لو يعلم الناس ما في التهجير والصف الأول والنداء ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا " وهذا سرعة السير، وهذه يدل على أنهم يبكرون بالجمعة، يبكرون بوقتها ولا يطيلون فيها ويخرجون مبكرين، فعثمان - رضي الله عنه - أدركه العصر في ملل وان لا أدري الآن هذا ملل هذه هل بقيت بهذا الاسم أو تحرف اسمها أو صار لها اسم آخر؟ يراجع في هذا كتب البلدان التي تهتم بمثل هذه الأشياء.

[قراءة المتن]:
أَخْبَرَنَا أَبُو مصعب، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى المازني، عَنِ ابن أَبِي سليطٍ، أَنَّهُ قَالَ : " كنا نصلي الجمعة مَعَ عُثْمَان بْن عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ ننصرف وما للجدار ظل " .
[الشرح]:
يعني ماله ظل: النفي هنا ليس النفي التام، ((ما للجدار)): ظل ليس معناها أن ما له ظل البتة هذا معناه أن ما دخل الوقت وإنما المراد هذه طريقة من طرق العرب ما للجدار ظل ينتفع به، يعني له ظل لكن ليس له ظل ينتفع به بحيث يفرش في الظل ويجلس أو يجلس فيه وإنما له ظل يسير، بمعنى هذا كله يدل على التبكير وعلى تقصير الخطبة والصلاة.
وينتبه دائما لألفاظ العرب وطريقتهم في الكلام، وهذا ينفع كثيرا في حل الإشكالات.
((ما للجدار ظل)): يعني ما للجدار ظل ينتفع به مثل قول - صلى الله عليه وسلم -: " ارجع فصل فإنك لم تصل "، مع أنه صلى هو ولكنه لم يصلي يعني لم تصلي صلاة تنفعك أو تقبل منك.
ومثل قول - صلى الله عليه وسلم -: فيمن يخرجون من النار " لم يعملوا خيرا قط " ليس معناه نفي العمل نهائيا وإنما لم يعملوا خيرا قط يعني لم يعملوا خيرا ينجيهم من النار من التمحيص بالنار، ولكن معهم التوحيد ومعهم الصلاة، لأن آخر من يخرج من النار يعرف بآثار السجود في وجهه، هذا آخر الموحدين الذي يخرج من النار يعرف بآثار السجود، لكن معنى " لم يعملوا خيرا قط " معناه لم يعملوا خيرا ينجيهم ويدل ذلك حديث قاتل المائة فإنه لما تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب قالت ملائكة العذاب في حجتها أنه لم يعمل خيرا قط، مع أنه تاب وهاجر وترك أهله ووطنه وذهب إلى قرية الصالحين واستفتى العلماء، عمل أعمال لكن إذا وُزنت عندهم بما عمل من قتل مائة نفس فقالوا: " لم يعمل خيرا قط " يعني غلب شره على خيره، فينتبه لهذه المسألة لأن بعض الناس أيضا ظن أن لم يعمل خيرا قط أن على ظاهره والعرب لها أساليب في الكلام، من لم يحسن أساليب العرب في كلامها كثرت عنده الإشكالات وتضاربت عنده الأدلة.
مثل الآن كلام الناس اليوم إذا رأوا رجل مسرف على نفسه في المعاصي وشره كثير قالوا: ما فيه خير، قالوا فلان ما فيه خير، فيأتي رجل قد يكون عنده عجمة في الفهم فيقول بلى نراه مثلا حسن الخلق، نراه أحيانا يصلي نراه يبر والديه، تقول أنا ما أقصد أنه معدوم الخير لكن إذا قلت ما فيه خير يعني شره يغلب على خيره، هذه أساليب عربية ولذلك مهم جدا قراء فهم العربية كما قال الحسن: " غالب من تزندق بالعراق بسبب العجمة، عجمة الفهم "، هؤلاء فيهم حسن النية لكن تضاربت عندهم الأدلة بسب أنه ما يحسن الفهم كما تحسنه الصحابة - رضي الله عنهم -.
فلذلك أنصحكم بقراءة كتب الشافعي لأنه إمام في اللغة وإمام في الشريعة، كتب أبي عبيد القاسم بن سلام إمام في اللغة وإمام في الفقه، كتب ابن قتيبة بحيث تتيح لك الأبواب حتى تفهم فهم العرب لأننا نحن الآن كما أننا نلحن بألسنتنا نلحن في أفهامنا، ما نستقبل نص كما تستقبله الصحابة، عقولنا ما تستقبل النص كما تستقبله الصحابة، كما أن ألسنتنا لا تنطق كما تنطق الصحابة في الغالب نلحن فنحتاج إلى تعليم، إصلاح العجمة في ألسنتنا وإصلاح العجمة في أفاهمنا، وإلا الصحابة - رضي الله عنهم - تستغرب يقرءون قال الله - عز وجل -: ﴿ لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ [المائدة:95] ويقولون قاتل الصيد متعمد غير متعمد عليه الفدية، فيأتي الذي عنده عجمة يقول: سبحان الله القرآن واضح من قتل منكم متعمدا، فيقولون هذا خرج مخرج الغالب بمعنى قيد أضيف، وهذا أيضا في كلامنا لو تدقق نحن نضيف أحيانا أوصاف أو قيود ولا نريدها، بمعنى أنا لا نريد أن إذا خالفت الآن طبق عليك الحكم وإنما تخرج مخرج الغالب، مثل قول الله - عز وجل -﴿ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ [آل عمران:112] مع إنا لا نعرف قتل نبي إلا بغير حق، بل قتل النبي كفر في حد ذاته، طيب كيف يقول: يقتلون الأنبياء بغير حق"؟ من باب التشنيع يعني هذا ليس له مفهوم، ويدعو مع الله إله آخر لا برهان له به" ما في أصلا إله غير الله له برهان، لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا"، لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة، قيود تأتي غير مراده.
فأنصحكم من أراد أن يعرف الشريعة كما كان الصحابة يفهمونها وتقل عنده التعارضات والتناقضات في ذهنه أن يحاول إصلاح العجمة التي في الفهم وسيكتشف أن عنده أفهام غير أفهام الصحابة، يعني أدركته عجمة وهو لا يشعر بها، كما أن اللحن ظاهر في اللسان، وللأسف لحن اللسان أُلف له النحو لإصلاح اللحن لكن لحن الفهم أُلفت له أصول الفقه لإصلاح اللحن لحن الفهم ألفها الشافعي لكن من ترك طريقة الشافعي وأتوا بطرق الأعاجم والمبتدعة والمعتزلة كالرازي والجويني والغزالي فزادت الطين بلة، زادت العجمة عجمة، وإن الأصل لو استمروا على طريقة الشافعي لانحلت إشكالات كثيرة ولعرفت كيف تفهم تعارض الأدلة.
ومن أحسن الكتب أيضا التي تقرؤها [تأويل مختلف الحديث] لابن قتيبة فإن جاءت مثلا بمائة حديث متعارضة وبين لك كيف فهمها حتى لا تختلف عندك.
هذا الشاهد فيه قوله: ((وما للجدار ظل)): لو أخذناه على ظاهر معناه أن هذا دليل على تقديم الصلاة قبل الظهر ويكون أيضا من حجج الإمام أحمد، لكن ما يظهر منه - والله أعلم - ما تقدم أن ليس له ظل ينتفع به.

[قراءة المتن]:
باب فيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ
(13)- [16] حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ "
[الشرح]:
* وهذه قاعدة :من أدرك ركعة يعني مقدار ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة:
وهذه يستفاد منها في ما لا يحصى من الصور، فمن ذلك:
- من أدرك من الجماعة ركعة فقد أدرك الجماعة،
- من أدرك من الوقت مقدار ركعة فقد أدرك الوقت،
- من أدرك قبل غروب الشمس بمقدار ركعة فقد أدرك العصر،
- ومن أدرك قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة فقد أدرك الصبح،
- أيضا الحائض إذا أدركت من الصلاة مقدار ركعة في أول الوقت ثم حاضت وجبت هذه الصلاة في ذمتها تقضيها إذا طهرت،
- وأيضا إذا طهرت وقد بقي من الوقت مقدار ركعة فقد وجبت هذه الصلاة في ذمتها وما يجمع إليها لأن هذا فيه فتوى من الصحابة أن هي وما يجمع إليها، إذا طهرت قبل الغروب بمقدار ركعة وجب عليها الظهر والعصر،
- وإن طهرت قبل نصف الليل بمقدار ركعة وجب عليها المغرب والعشاء
- وإن طهرت قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة وجب عليها الصبح لوحدة لأنه لا يجمع إلى غيره،
- ومن ذلك الكافر إذا أسلم قبل خروج الوقت بمقدار ركعة وجبت الصلاة في ذمته.
- والصبي إذا احتلم
- والمجنون إذا أفاق
- والمغمى عليه كما سيأتينا،
- عشرات الصور إذا أن تضبط إدراكك للوقت أو للصلاة أو للجماعة هو بإدراك ركعة،
والقول الآخر عند السلف: أنه بإدراك التكبيرة والسبب أيضا هو لغة العرب، فإن في حديث آخر في لفظ آخر " من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة "، فالسجدة هنا تطلق على الركعة الكاملة كما تقول: صلاة الفجر سجدتان وصلاة الجمعة سجدتان بمعنى ركعتين كاملتين وتطلق السجدة على السجدة الاصطلاحية التي هي فعل السجود، فمن العلماء من فهم أن الصواب أنه يجمع الحديثين ويكون المراد بالسجدة ركعة كاملة لكن من العلماء أنه فهم أن سجدة بمعنى السجدة الاصطلاحية، فقالوا: إذا من أدرك جزءا من الصلاة فقد أدرك الصلاة وقالوا وأول جزء في الصلاة هو التكبيرة فإذا من أدرك التكبيرة فقد أدرك الوقت وأدرك الجماعة وهكذا استدلوا.
والصواب - والله أعلم - هو هذا أن السجدة المراد بها في لغة العرب وفي فهم الصحابة يطلقون السجدة ويريدون الركعة كاملة .

[قراءة المتن]:
(14) أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، كَانَ يَقُولُ : " إِذَا فَاتَتْكَ الرَّكْعَةُ فَقَدْ فَاتَتْكَ السَّجْدَةُ "
[الشرح]:
هذا الشاهد ((إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة)): يعني الركعة الكاملة، إذا فاتتك الركعة فاتتك السجدة، إذا فاتك الركوع أيضا فاتتك الركعة الكاملة.

[قراءة المتن]:
حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، أَنَّهُ بلغه، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، كَانَا يَقُولَانِ : " مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ من قبل أن يرفع الإمام رأسه فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ ".
[الشرح]:
((مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ من قبل أن يرفع الإمام رأسه فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ)): يعني فقد أدرك الركعة الكاملة، إذا أتيت تريد أن تأتم بالإمام وهو راكع فأدركته قبل أن يرفع رأسه وما معنى الإدراك؟ ليس أن تكبر قبل أن يرفع رأسه وإنما أن يصدق عليك أنك ركعت يعني أدنى حد للركوع قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة.
ولذلك العلماء يفسرون تفسير أوضح فيقولون: إذا أمسكت ركبتيك بيديك قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الركعة، لأن الآن لا يصدق عليك إنك راكع حتى تمسك ركبتيك بيديك، أما إذا كنت وأنت تهوي إلى الركوع بحيث ما صدق عليك إنك حققت أدنى قدر من الركوع لا يشترط حتى أن تقول سبحان ربي العظيم ما يشترط، وإنما إذا قام الإمام فقولها ثم تلحقه، وإنما يشترط أن يصدق عليك اسم الراكع والإمام راكع بمعنى تجتمع أنت والإمام في حد الركوع، هذا هو الذي تدركه فإذا صدق عليه أنك أنت والإمام اجتمعتم ولو ثانية بمعنى أمسكت ركبتيك بيديك قبل أن يقوم الإمام أدركت الركعة وقلت: سبحان ربي العظيم والحق به. هذا فتوى ابن عمر وزيد بن ثابت من الصحابة - رضي الله عنهم -.

[قراءة المتن]:
حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، أَنَّهُ بلغه، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يَقُولُ : " مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ، وَمَنْ فَاتَتْهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ " .
[الشرح]:
صحيح ((من أدرك الركعة)): يعني الركوع فقد أدرك السجدة يعني الركعة الكاملة ولكن حتى وإن أدرك لا يكون مثل الذي جاء مبكر ما يستويان ولذلك قال : إن هذا صحيح تحسب له ركعة.
ولكن ((مَنْ فَاتَتْهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ)): فاته خير كثير يعني هنا الآن حسبت لك ركعة ولم تقرأ الفاتحة فاتك خير كثير، لا تظن أن مثل الآخر سلمت معه وحسبت لك ركعة لا، الله - عز وجل - حسابه بالخردلة والذرة، فينبه إلى هذا حتى لا يسهل الناس في التأخر.
والبلاغات هذه التي عن مالك تتبعت وأكثرها صحيح لأن مالك نشأ في بيئة المدينة وعنده أهل العلم وطلب العلم وأهل المدينة يحفظون كلام علماؤهم وهو كان حديث العهد يعني ما بين موت أبي هريرة وبين طلب مالك للعلم إلا قرابة خمسين سنة تقريبا، فخمسين سنة الآن نحن نحفظ أقوال ابن إبراهيم وأقوال من ماتوا قبل خمسين سنة نحفظها ويحفظ منها حتى عامة الناس، فكيف بمالك الذي نشأ في المدينة وأهل المدينة فيهم من الديانة والعلم والتقوى والحرص على الدين فوجد أقوال الصحابة منتشرة بينهم وظاهرة ويتناقلونها ويعملون بها ولذلك هو عظم عمل أهل المدينة وفيه تفصيل في قول عمل أهل المدينة - إن شاء الله -، وحتى البلاغات هذه لما تتبعت وجدت متصلة كثير منها خاصة ما كان عن الصحابة - رضي الله عنهم -.


[قراءة المتن]:
باب مَا جَاءَ فِي تفسير دُلُوكِ الشَّمْسِ
(15) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ : " دُلُوكُ الشَّمْسِ : مَيْلُهَا "
[الشرح]:
((دُلُوكُ الشَّمْسِ : مَيْلُهَا)): دلوك: بمعنى الميل، يقول الله - عز وجل - ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ [الإسراء:78] اللام هنا بمعنى من يعني من دلوك الشمس يعني من زواله الميل إلى غسق الليل فيدخل فيه أربعة أوقات وهذا يدل على أنها أوقات متصلة وأن بعضها يجمع إلى بعض، من الزوال ﴿ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ إلى الشفق الذي هو الظهر والعصر والمغرب العشاء ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ فأفرده عن الأربع لأنه لا وقت قبله ولا وقت بعده فيه فريضة. وهذا يرجح القول أن العشاء تنتهي بنصف الليل وأنه من نصف الليل إلى طلوع الفجر وقت لا فريضة فيه، ومن طلوع الشمس إلى زوالها وقت لا فريضة فيه فالصبح منفردة لا يسبقها فرض ولا يلحقها فرض وإنما فيه فراغ قبلها وفراغ بعدها، ولذلك لا تجمع إلى غيرها، ولذلك أفردها الله وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾.
الدلوك: هو الميل وأيضا من فهم لغة العرب فهم ألفاظهم فهم الغريب وهذا برع فيه أبي عبيد - رحمه الله - والشافعي وأمثاله، فهم الغريب لأن هذه تحل عندك كثير من الإشكالات.
اليوم كنا نقرأ برسالة للشافعي فمثلا قال بعض العلماء أن جلود الثعالب إذا دبغت يجوز الصلاة فيها، والدليل " أيما إهاب دبغ فقد طهر "فرد عليهم الآخرين فقالوا العرب لا تسمي جلود السباع إهابا إطلاقا وإنما تسمي الإهاب جلود بهيمة الأنعام، الإبل والغنم والبقر، ومعنى هذا أنك إذا فهمت لغة العرب انحل عند إشكال كبير، " أيما إهاب "يعني من بهيمة الأنعام، ولا تسمي جلود السباع أو النمور والثعالب إهابا إطلاقا.
وأيضا الإشكال الآخر قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن عكيب: ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، بعضهم ظن أن هذا يعارض الحديث الآخر: " أيما إهاب دبغ فقد طهر "، وقالوا لا تنتفع من الميتة بإهاب فردوا عليهم وقالوا أيضا العرب تسمي الجلد إهابا قبل الدبغ، ما تسميه إهاب إلا قبل الدبغ، ولذلك قال في الحديث الآخر: " أيما إهاب دبغ فقد طهر "، وأما بعد الدبغ ما تسمي إهاب فلا يتعارض الحديثين، " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب "يعني بجلدها قبل الدبغ، ولذلك يسمى إهابا فإذا دبغ فقد طهر.
فقدر لغة العرب وفهم الغريب فيها هو فهم مجال العرب في كلامها وكيف يطلقون العام ويريدون به الخاص هذا من أهم الأشياء لطالب العلم خاصة في هذا الزمن لأن العجمة خاصة في كتب المتأخرين العجمة سببت إشكالات وتداخل كثير من الأحاديث وهي عند الأوائل واضحة.